الكرامة تنتزع ولا تطلب ممن قام بمصادرتها

 

✍️ بقلم الدكتور راشد الراشد – ما نعيشه اليوم من أوضاع مزرية وسيئة للغاية في البحرين هو نتيجة للثقة بأنه يمكن التعايش مع العصابة الحاكمة التي اغتصبت السلطة واستولت على المقدرات والتي قامت من أجل السيطرة والهيمنة على الحكم بفرض سلطة الأمر الواقع بالقهر وغلبة السيف والرمح والخنجر.

 

منذ إستيلاء آل خليفة على الحكم في البحرين ولحد الآن لم تخرج معارضة ترفع راية بأن آل خليفة هم عدو مغتصب للسيادة والشرعية والمقدرات وأنه تجب مجابهتهم بكل الوسائل الممكنة والمتاحة وبكل السبل التي تحدث ضغطاً هائلًا لفرض التغيير في النظام والعملية السياسية غير المشروعة برمتها، وعدم انتظار فتات الإصلاح الجزئي للنظام غير الشرعي ممن صادر كل شيءٍ في البلاد وقام بإرتكاب أبشع الجرائم، وذلك كما وثقته دماء وآهات وآلام الآلاف من أبناء الشعب، لأن يتكرم بإعطاء هامش من الحرية وبعض الفتات على قاعدة المنحة والمكرمة. فالكرامة تنتزع ولا تطلب ممن قام بمصادرتها.

 

وهم وخديعة كبرى الإعتقاد أو الإيمان بأنه يمكن التغيير بالأساليب والوسائل الرومانسية أو بالإجتهاد لأقصى حد بعدم جرح مشاعر النظام وخدش أحاسيسه بأي وسيلة أو أنه يمكن التغيير من خلال استراتيجية الصبر السلبي بإنتظار صحوة ويقظة ضمير ممن اغتصب البلد بأن يقدم إعتذاراً أو إلتماساً يطلب به سماح الشعب وقبول إعتذاره وأن يقوم بتسليم الشعب جزءاً من هيمنته وسيطرته على السلطة ونظام الحكم. فقد داس هذا النظام من أجل ”السلطة“ على كرامة كل الوطن وقام بكل ما قام به وفي وضح النهار من جرائم واستباحة شاملة لم موبقة لم يرتكبها ضد الشعب والوطن، وضرب بعرض الحائط بكل قيمة تتصل بالمواطنة واغتصب الشرعية وانتهك السيادة بشكل فاضح وسافر، ولم يتردد لحظة واحدة بسفك الدماء وإنتهاك الحرمات، لما يتلقاه من دعم وإسناد من حلفائه أدعياء حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان، فمن أين يمكن توقع صحوة الضمير ويقظة الأخلاق؟!

 

ما تحتاجه البحرين للتغيير هو اعتماد استراتيجة الصبر ولكن الإيجابية منها وهي الاستراتيجية التي تقوم على التخطيط والعمل والإستعداد الكامل لدفع كلف وأثمان المجابهة للدفاع عن الكرامة وإسترداد الحقوق المهدورة والمنتهكة والمقدرات المنهوبة والثروات المسلوبة.

 

من المؤسف أن نقول بأنه بغير هذه الإستراتيجية لا يمكن تحقيق أي تغيير، فمن يغتصبون الأوطان هم مستعدون لإرتكاب أبشع المجازر للمحافظة على بريق السلطة ولمعان السيطرة على المقدرات ولن يتنازلوا عن شبر من سلطانهم بسبب خطب أخلاقية ووعظ وارشاد أو لمجرد توقعات صحوة ضمير.

 

إن طريق التغيير في استرداد الكرامة واضح ويعتمد على نهج ومنهج التفكير على أساس انتزاع الحقوق واستردادها وليس على أي أساس آخر مثل ”التسّول“ لصحوة ضمير يقوم من خلالها من أغتصب الوطن بتقديم هبة هنا في الكرامة أو منحة هناك، ولا بمثل “الإسترضاء“ لمغتصب السلطة من خلال إثبات حسن النوايا وصدق الإنتماء، وعلى أن أهدافنا نبيلة وشريفة وأن علينا بإستمرار أن نثبت بأننا مواطنون صالحون ننتمى إلى هذا الوطن الذي عاش فيه أباؤنا وأجدادنا صاغر عن كابر وكابر عن صاغر!

 

بالتأكيد فإن إثبات حسن النوايا على أننا مواطنون وصادقون ومخلصون وأوفياء لوطننا وبذل الجهد لإسترضاء مغتصبي السلطة واعتماد رومانسية الخطاب بعدم جرح مشاعر مغتصبي السلطة على أمل كاذب بأن تحدث صحوة ضمير عند مغتصبي السلطة هو مجرد وهم كبير ليس له أي رصيد من الواقع المر الذي نعيشه، وتجربة شعبنا المضنية والشاقة لمدة قرنين من الزمن مع مغتصبي السلطة لم تتمخض عن سوى مزيد من إحتكار السلطة وإعتماد منطق الغلبة والقهر لبسط الهيمنة وإحكام السيطرة، ومحاولات شعبية طيلة هذين القرنين وصلت حد بلع المر والعلقم من أجل التعايش مع هذه العصابة الحاكمة لكن جميعها قد فشلت ولم يكتب لأي منها ربع نجاح.

 

وآخرها كأس العلقم الأشد مرارة والمتمثل في تجربة المثياق والتي طغى عليها حسن النوايا والرغبة الصادقة لطي الصفحات السوداء لكل آلام وأوجاع الماضي على أمل التعايش وانهاء عقود طويلة من التناقض الناتج من رغبة مغتصبي السلطة في السيطرة الكاملة والمطلقة على النظام السياسي وطموح شعب يحمل تطلعات مشروعة بالحرية والعدالة وشيء من الكرامة بقبول التعايش مع مغتصبي الحكم ممن أذاقونا الويل وجرعونا الغصص، وأي مرارة أشد علينا كشعب وأمة القبول بالتعايش مع مثل هذا النظام، لكن هي الرغبة الصادقة والنية المخلصة للتعايش.

 

ورغم كل التنازلات التي قدمها الشعب من أجل طي أوجاع وآلام الماضي ورمي كل صفحاتها السوداء وراء الظهر، ومحاولاته العديدة والمتكررة في خلق وايجاد نظام سياسي متوافق عليه ويحمل شرعية الإرادة الشعبية الا أن مغتصبي السلطة وكما اعتادوا فرض الأمر الواقع لم يتحملوا مشروع التعايش المر هذا مع من بطش ونكل وإنتهك الناموس والعرض وقام بكل المنكرات، مع إن الميثاق كان أكبر وأهم فرصة تاريخية مرت عليهم منذ ان تم لهم الإستيلاء على السلطة والسيطرة الكاملة لهم على مقدرات الحكم، اذ اعطاهم ولأول مرة في تاريخهم شرعية الحكم وهو كأس العلقم المر الذي شربه الجميع وهم يمضون وراء مشروع التعايش مع مغتصبي الحكم، وأي شيء أكثر ألماً ومرارة من أن تصل إلى حد القبول بالتعايش مع أغتصب أرضك ووطنك وقام بكل المنكرات. ومع ذلك فإنهم لم يتحملوا ”الميثاق“ ولم يتحملوا فكرة التعايش مع الشعب وانقلبوا على كل ما جاء في الميثاق الذي كان يحمل مشروع التعايش لمجموعة من العقد المتأصلة فيمن قاموا بإغتصاب السلطة وأستولوا على الحاكم بالقوة لا بالشرعية.

 

لقد هدم نظام وسلطة الأمر الواقع القائم بإفشاله مشروع التعايش الذي جاء به الميثاق، ومع كل ما كان يتضمنه من تنازلات قاسية ومؤلمة لجرائم طويلة لمغتصبي السلطة أي أمل جديد بالثقة على أنه يمكن التعايش مع هذا النظام الذي جاء غازياً ومحتلاً يحمل فكر السيطرة من خلال البطش والتنكيل والقتل وسحل الإرادات الحرة المطالبة بالكرامة والحرية والعدالة، والذي ما زال مستمراً عليها حتى هذه اللحظة. وإن ما تشهده البحرين حالياً من موجات قمع وإجراءات وحشية بالغة القسوة هو نتاج لعقلية ”الإستحقاق“ لعملية الإستيلاء والسيطرة على الحكم منذ أكثر من قرنين من الزمن.

 

لقد قدّم شعبنا الكثير من القرابين في سبيل الوصول إلى صيغة توافقية يتم من خلالها الخروج من نفق التناقض الحاصل بين شعور مغتصبي السلطة بالغربة والأقلية وهاجس قلقهم المستمر من السيطرة المطلقة على السلطة وإدارة الحكم طيلة القرنيين الماضيين،

 

وليس هناك من خيار أمامنا كشعب اليوم غير المطالبة بالتغيير السياسي الجذري والإستعداد لدفع كلف وأثمان المجابهة مع مغتصبي السلطة ومحتكري النظام السياسي أو الإستسلام لسلطة الأمر الواقع والرضوخ له كما يريد ويتمنى.

 

لقد أثبتت تجربة الميثاق والثورة الشعبية الأخيرة بأن نظام الحكم الحالي بتركيبته القبلية المتخلفة وبما قام به من قمع وقتل وإنتهاك للحرمات فإنه عصى على الإصلاح وإنه لا يمكن الثقة بأنه قد يقدم في لحظة ما على أن تقوم هذه السلطة بإتخاذ أي إجراء نضمن من خلاله تحقيق قدر من الإحترام والعدالة لنا كشعب وأمة. ولذلك فإن علينا كشعب تحمل خياراتنا في الدفاع عن الكرامة والمقدّسات. ولنكن جميعا على قناعة تامة بإن إستحقاق الحرية يؤخذ ولا يعطى وبأن الكرامة حق ينتزع ولا ينتظر أن يمنح بهبة أو مكرمة من أحد كائناً من كان.

الوكالةالعربية للإعلام