لتتنفس عنقي..

0

محمد أبو الهيجاء*

قصة قصيرة..

مابين الحياة و الموت كانت لحظة , هي فقط من تفصلني بين الوجود على قيدها أو الغياب الأبدي الذي يسلب مني كل ما أحمل من عفة و كرامة .. الموت :- هو السكون الأبدي الذي يريح القلب و يجعل الجسد عاري تماماً لكنهُ في أدق تفاصيل الستر .. الى الله .. أنت الأعلم بما كُنت عليه سابقاً قبل الأنتهاء من هذا الظلم المنسكب على جسدي .. أنت وحدك من جعلت الصبر في قلوبنا مفتاح للفرج وها أنا الأن أمتلك مفتاح قبري لعلهُ الفرج الأبدي لحالتي .. الى وطني الجميل الخائن , طفولتي التي كانت مزدهرة بك , كنت أتعلم منك أن الحرية شيء جليل , و أن عنقي الجميل سيأتي يوماً و يختبئ خلف قطعة قماش ليصبح أكثر جمالاَ .. كانت جميع الذكريات التي احملها في دفتري الأرجواني تحمل أجمل الأنطباعات عن مجتمعنا المحافظ , حريتي التي يحترمها الجميع , عقيدتي التي أجهر بها دون الخوف من أي شخص , ما كان هنا قانون ظالم يحمل سيفهُ ليقطع غطاء عنقي .. ما بين الموت و الحياة كان الخوف الذي يسكن قلوبنا يُجبرنا على الرحيل , وطني الجميل الذي كُنت أحلم أن أكمل ما تبقى من حياتي بك , أصوات القنابل و المتفجرات رصاصاتك التي كانت تهدم اسوار بيتنا كانت كفيلة بأن تجعلنما نبحر في بحر ظالم , بيتنا الذي أصبح مجرد جبل يبتلع بداخله كٌلّ ذكرى لنا , يحتضن الطفولة و الأحلام , لتبقى الحياة مجرد إبحار و لجوء .. الوداع يا وطني الجميل , اليوم وأناعلى شاطء هذا البحر المخيف الذي لا أعلم أين ينتهي سأترك لك رسائلي و بعض ذكريات اشاركها معك من خلف هذهِ الحدود .. أصبحت الأن لاجئة في بلد غريب , تلك الشوارع التي لا تشبه وطني , هؤلاء البشر الذين إحتجزوني في قارورة عطر لهُ رائحة لا تشبه رائحة البقية , هل أنا مختلفه عنهم لهذا الحد ؟ ما المختلف بي …؟ هل قطعة القماش التي تزين عنقي هي من تجعل الجميع ينظرون لي بغرابة ..؟ ما هذا الوطن البديل يا وطني ؟ كُنت وحدك من تُعطيني حريتي , أنت الوحيد الذي قد ظُلمت كم ظلموني … أصبحت أعد الليالي التي إحتجزتي بين جدران قبر هذا السكن , أخاف الخروج الى شوارع هذهِ المدينة البائسة التي تقتلني بنظراتها , تلك الكلمات التي كنت أسمعها تخدش الحياء بل أكثر , هذا الألم القابع في صدري , يالله أنجدني … مازلتُ كما عهدتُ نفسي كُلّ ما زارني الضعف للحظة شددتُ قماشة عنقي فأختنق أكثر … كم مؤلم أن أنتظر الهروب من لجوء الى وطني , كيف لي أن ألجئ لوطني مرة أخرى؟ كيف لهؤلاء الأبتعاد عني ؟ لكن لم ينتهي الأمر فقط أن أختبئ , بل الجميع كان أقسى من تلك الرصاصات و الأصوات التي في وطني , كان الجميع أظلم من هذا الجيل الذي إحتضن وطني به يا ليتهُ إحتضنني .. كان الأمر أشبه بفريسة كسرت ساقها فكثر الصيادون .. كان عنقي المغطى هو خاتمتي .. يالله قد قاوتهم بكُل ما أوتيت من قوة , كان الجميع حولي , لم يكتفون بكشف عنقي بل كان جسدي الممزق وطنناً لقذارتهم .. يا أيها التراب أبتلع جثتي المشوهة , أستري هذا التعري الذي أحدثوه من لا رحمة في قلبهم .. اليوم يا الله أنا عائدة لك دون قطعة القماش التي كانت سبب موتي .. اليوم يا الله دوون اي ذنب في قبري جسدي العاري دون أن أشعر بذنب هذا التعري , رغم أن جسدي لا يغطيه سوى قماشه بيضاء إلا أنها سترته أكثر من ما كنت عليه … اليوم العود لك يا الله رميت قطعة القماش تلك لأدع عنقي تتنفس ..

*كاتب أردني

Leave A Reply

Your email address will not be published.