من رموز النضال الفلسطيني..حمدي الحسيني

0

 د. ناصر الصوير*
يعتبر حمدي الحسيني واحداً من أكبر أبرز مناضلي فلسطين ومن الشخصيات السياسية التي تركت أثراً واضحاً في التاريخ السياسي الحديث والمعاصر لفلسطين عامةً ولمدينة غزة على وجه الخصوص، كانت له صولات وجولات وسجل حافل في مضمار مقاومة الاحتلال البريطاني وتهويد فلسطين فتعرض للنفي والاعتقال مرات عديدة، حظي باحترام وتقدير من الشخصيات السياسية البارزة محلياً وعربياً وعالمياً.
ولد حمدي عبد الرحمن محي الدين الحسيني في مدينة غزة عام1899مـ، من عائلة فلسطينية عريقة. والده الشيخ/ عبد الرحمن كان شيخاً جليلاً وقاضياً شرعياً في مشيخة الإسلام بالأستانة وفي غزة والخليل، كان من ذوي الأملاك وملاك الأراضي، ورث عن والده الكثير من الأملاك والثروة. والدته من عائلة الحسيني أيضاً. تلقى علومه الأولية بالمدرسة الرشيدية الابتدائية في غزة ثم واصل التعليم في المدارس الخاصة. عمل بعد تخرجه مدرساً في الكلية الإسلامية بالقدس، كما عمل معلماً في المدرسة الأميرية بالرملة، كان صاحب نشاط أدبي وثقافي وإعلامي كبير، أجاد التحدث بسبع لغات. عمل محرراً وكاتباً في عدة صحف، كما عمل مديراً لقسم الإعلام بالقسم الثقافي بالجامعة العربية.
سعى للانضمام للثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين إلا أن الحكومة التركية نفته إلى الأناضول، ولم يلبث أن هرب من هناك إلى جبل الدروز، حيث قام باتصالات واسعة تمكن خلالها من إقناع مشايخ الدروز من اتخاذ موقف مؤيد للثورة العربية بعد أن كان الأتراك قد استمالوهم وأقنعوهم بأن العرب لا يضمرون لهم خيراً، وتمكن من الحصول على عرائض تؤيد الثورة بالمال والرجال، وجاء بها إلى الأمير فيصل فسر كثيراً، وعرض علية مبلغاً من المال المخصص للثورة لكنة رفض أن يأخذ شيئاً معتبراً ما يقوم به عملاً وطنياً ليس غايته الكسب، عمل مع الأمير فيصل حتى دخلت قوات الثورة دمشق وهناك وردت الأنباء حول تصريح (وعد بلفور) فعاد إلى مسقط رأسه ليقوم بواجبة الوطني في مقاومة السياسة البريطانية الجديدة، وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بدأ مسيرته السياسية صحافياً في جريدة الكرمل، وهي جريدة سياسية، صدرت في مدينة حيفا عام1908مـ. أسسها نجيب نصار.حيث كان ينشر مقالاته تحت اسم مستعار هو(عمرو بن عبيد) ، كما نشر مقالاته في صحف أخرى منها: الدفاع، وهي جريدة سياسية، صدرت في مدينة يافا سنة1934مـ، أسسها إبراهيم الشنطي. وجريدة الجامعة العربية، وهي جريدة أسبوعية، صدر العدد الأول منها في القدس في20/1/1927مـ، صاحبها منيف الحسيني ، وتوقفت عن الصدور عام1936. والجامعة الإسلامية، وهي جريدة يومية عنيت بالمواضيع السياسية والعلمية والأدبية، صدرت مدينة يافا سنة 1933مـ. أسسها سليمان التاجي الفاروقي. ومجلة لسان العرب؛ وهي جريدة سياسية، صدرت في مدينة القدس في24/6/1921مـ. أسسها إبراهيم سليم نجار. كما تولى رئاسة تحرير صحيفة صوت الحق التي أصدرها قريبه فهمي الحسيني عـام1927مـ، ورئاسة تحرير جريدة الصراط المستقيم، وهي جريدة أسبوعية، ثم نصف أسبوعية ثم أصبحت يومية، صدرت في مدينة يافا عام1924مـ. صاحبها الشيخ عبد الله القلقيلي. كما كتب حمدي الحسيني في صحف فلسطين والجزيرة والكواكب، كما ألقى عدة محاضرات على منابر جمعية الشبان المسلمين في غزة، والنادي الرياضي، ونادي الشباب في يافا، وعبر الإذاعة في القدس؛ ولما نشبت ثورة الدروز في سوريا عام 1925مـ، بقيادة سلطان باشا الأطرش انضم إليها ثائراً متحمساً.
أجاد حمدي الحسيني لغات عدة منها: الاسبانية واليونانية والإيطالية والألمانية والتركية والفارسية والعبرية، كما إن عمله بالصحافة ومهارته في الخطابة كلها صفات أهلته ليتبوأ موقعاً سياسياً متميزاً ليس في أهل غزة فحسب، بل على المستوى الوطني الفلسطيني برمته.
كانت بداية حمدي الحسيني الفعلية في الحياة الحزبية الفلسطينية في العام 1928مـ، قوية حيث كان من الأعضاء المؤسسين في المؤتمر التأسيسي للأندية الإسلامية، الذي عقد في 18/4/1928مـ، الذي كان هدفه أن يصبح حركة عالمية تضاهي جمعية الشبان المسيحية، وقد بقيت فروع الأندية الإسلامية التي عرفت فيما بعد بجمعيات الشبان المسلمين على اتصال دائم مع المقر الرئيسي لجمعية الشبان المسلمين في مصر الذي أسسه الدكتور عبد الحميد سعيد،
وقد انتخب حمدي الحسيني عضواً في سكرتاريا المؤتمر التأسيسي ؛ ومن هذا المؤتمر تشكلت فروع جمعيات الشبان المسلمين من(1928-1930م) في عدة مدن فلسطينية، ومن بينها غزة، حيث انتخب حمدي الحسيني رئيساً لفرع الجمعية فيها، كما شارك في اجتماع اللجنة التأسيسية للحزب الحر الفلسطيني في أواخر عام 1927مـ، واقترح حمدي الحسيني في هذا الاجتماع أن يكون الحزب قائماً على مبدأ رفض الانتداب، وطلب الاستقلال التام، ولمّا لم يوافق الحاضرون على هذا الاقتراح انسحب من الاجتماع ومن الحزب كله. ولاحقاً انضم حمدي الحسيني أيضاً إلى عضوية الجمعية (فرع يافا) لأن عمله كان كرئيس لتحرير جريدة( صوت الحق) تطلب بقائه في يافا ، كما كان عضواً في وفد غزة المشارك في المؤتمر العربي الفلسطيني السابع الذي عقد في مدينة القدس في الفترة 20-27/6/1928مـ. برز اسم حمدي الحسيني كسياسي فلسطيني، في أوائل عام 1929مـ، عندما اتصل به الحزب الشيوعي الفلسطيني، ودعاه للتعاون ضد الانتداب دون أن يكون عضواً فيه، ثم رشحه الحزب الشيوعي كعضو في اللجنة التحضيرية لمقاومة الاستعمار الذي انعقد في كولون بألمانيا عام 1929مـ. حيث شارك وألقى خطاباً سياسياً ترجم إلى لغات جميع الحاضرين، وأنه تعرف على شخصيات سوفيتية، وألقى خطاباً سياسياً ترجم إلى لغات جميع الحاضرين، والتقى بشخصيات قيادية سوفيتية، أي من الاتحاد السوفيتي الذي أنشئ من قبل الشيوعيين في أعقاب الثورة البلشفية عام 1917م على أنقاض روسيا القيصرية ، والذي انهار وتفكك عام 1989، وعادت روسيا منفصلة عن باقي الجمهوريات السوفيتية السابقة التي انفصلت بدورها وحصلت على استقلالها. ووجهت له الدعوة لزيارة العاصمة السوفيتية موسكو، التي قام لاحقاً بزيارتها وقابل لفيف من أعضاء القيادة السوفيتية وفي مقدمتهم جوزيف ستالين الأمين العام للحزب الشيوعي السوفيتي الذي أرسل له طائرة خاصة أقلته من ألمانيا إلى موسكو وهو أمر لا يحظى به إلا الرؤساء والزعماء الكبار. كما قابل في ألمانيا جواهر لال نهرو وهو رئيس وزراء الهند وهو أحد مؤسسي حركة عدم الانحياز مع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر والرئيس اليوغسلافي جوزيف بروس تيتو. ولما عاد اعتقل، وعندما دعي في العام التالي للمشاركة في المؤتمر الذي كان مقرراً أن يعقد في فرنسا منعته السلطات البريطانية فبعث ببرقية اعتذار، فما كان من المؤتمر إلا أن اختاره رئيساً شرفياً له”. كما شارك حمدي الحسيني في مؤتمر التسليح الذي عقد في نابلس في31/3/1931مـ، وكان سبب عقد هذا المؤتمر الأخبار المتواترة عن تسليح اليهود. وفي عام 1932مـ، أسس حمدي الحسيني مع آخرين حزب الاستقلال العربي. وفي أعقاب ثورة البراق عام 1929مـ، نفي إلى الناصرة، بتهمة التحريض على الثورة، وفي عام 1933مـ، اعتقل في صرفند، وفي عام 1937مـ، اعتقل في معتقل المزرعة بعكا مع عدد كبير من زعماء البلاد أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى. شارك حمدي الحسيني في الانتخابات البلدية التي أجريت عام 1946مـ، وترأس قائمة وطنية فازت فوزاً كبيراً، وحصل على أعلى الأصوات؛ وكان من المنتظر أن يعين رئيساً للبلدية، إلا أن سلطات الانتداب البريطاني حالت دون ذلك، وعينت رشدي الشوا الذي فاز هو أيضاً في الانتخابات في منطقته، فأصبح حمدي الحسيني عضواً فقط في المجلس البلدي. أمر المندوب السامي بعدم تعيين حمدي الحسيني لمنصب رئاسة البلدية رغم أنه حصل على أكبر عدد من أصوات الناخبين في الانتخابات، وذلك بسبب مواقفه الوطنية وتاريخه النضالي ومقاومته الثابتة لسياسة الانتداب الرامية لتهويد فلسطين. وحول فوز حمدي الحسيني في الانتخابات البلدية. كما كان حمدي الحسيني عضواً في اللجنة القومية التي أنشئت إثر قرار التقسيم عام 1947مـ، والتي ضمت 55عضواً. وبعد النكبة التي حلت بفلسطين وشعبها عام 1948مـ، واصل حمدي الحسيني نشاطه السياسي، وكتب عن القضية الفلسطينية في أشهر الجرائد والمجلات، مثل: المقطم والرسالة وغيرها، وعندما تكونت حكومة عموم فلسطين عين فيها مديراً للإعلام، ثم عين مديراً لقسم الإعلام في جامعة الدول العربية. تزوج من/ سنية سعيد الحسيني، رُزق منها من الذكور: فيصل وصخر وهما توأمان؛ ومن الإناث: عصام ورباب ومي واستقلال. توفى في مدينة غزة عام 1988مـ.

*كاتب وباحث فلسطيني

الوكالة العربية للدراسات والإعلام

Leave A Reply

Your email address will not be published.