للثورات الشعبية شروطها الموضوعية (النسبة الأجتناعية الحرجة ؟!)

0

خلف الناصر

الانتفاضات والثورات الشعبية ليست ترفاً ولا تقليداً للغير ولا هي ساحة لاختبار قوة لأطراف متعددة لبعضها ، إنما هي تعبير عن حاجات اجتماعية واستحقاقات تاريخية منبثقة عن شروط واشتراطات موضوعية ، لا يمكن بدونها أن تكون هناك انتفاضات أو ثورات اجتماعية … وأهم هذه الشروط الاشتراطات الموضوعية:
أولاً: زيادة عدد السكان ونسبة الشباب بينهم :
إن المجتمعات الانسانية قائمة بشكل من الأشكال ـ وطبعاً بدون وعي منها ـ على نوع من التوازن والانسجام الطبيعي بين عناصر المجتمع الطبقية وبناها الفوقية ومظاهرها: السياسية والاقتصادية والفكرية والدينية والقيمية والمفاهيمية……..إلخ.. ومتما حدث خلل بين هذه العناصر المنسجمة ، فإنه سيؤدى حتماً إلى اضطراب الحياة الاجتماعية برمتها .

والثورات والانتفاضات الاجتماعية والسياسية بمختلف درجاتها ومعها الحركات الراديكالية والاصولية ، رغم تنوع وتضاد أيديولوجياتها ، تعتبر نوع من الاضطراب عالي الوتيرة داخل المجتمع ، ناتج عن خلل أضر أو أربك ذلك التوازن والانسجام الاجتماعي الطبيعي ، في واحد من عناصره أو أكثر!!

فزيادة عدد السكان مثلاً في بلد ما ، وزيادة نسبة الشباب بالخصوص بينهم ، ودون النجاح باستيعابهم في سوق العمل ودورة الانتاج والحياة الاجتماعية بمختلف صورها ، فإن هذه الزيادة ستصبح عبئً على الدولة وعلى المجتمع ، وقد تؤدي إلى انفجارهما معاً ، سواءٌ بثورة اجتماعية كبرى تعيد التوازن الذي فقد من جديد إلى داخل المجتمع ، أو بحركات راديكالية وأصولية قد تمزق الدولة والمجتمع معاً ، كالذي حصل في عام 2011 في بلادنا العربية ، أو الذي يحصل الآن في العراق والجزائر ولبنان!
ومعروف أن نسبة زيادة عد السكان بوتيرة عالية ، تقذف سنوياً بمئات الألاف من الشبان إلى أسواق العمل ، فإذا نجحت الدولة والمجتمع في استيعاب هئولاء الشبان ، وأوجدت لهم فرص العمل الكريم والمستقبل المطمئن ، أصبحت هذه الزيادة السكانية مصدر للرفاه والتطور والخير ، وربما لنهضة للمجتمع والدولة معاً!
أما إذا حدث العكس ، وفشلت الدولة والمجتمع في استيعاب هئولاء الشباب ـ ومع التراكم المستمر لهذه الزيادة السكانية سنوياً ـ فإنها ستصبح مصدراً لاضطرابات متنوعة واخلال خطير بالأمن الاجتماعي العام وحياة المواطنين عموما!
وإذا ما استمرت هذه الزيادة السكانية بقذف مئات الألوف من الشبان سنوياً إلى أسواق العمل دون استيعابهم فيها ، فإن استمرار التراكم لهذه الزيادات السنوية سيصل في لحظة معينة ، بالدولة والمجتمع إلى زاوية اجتماعية حرجة قد تفجر في نهاية المطاف ، الأثنين معاً!
وعندما تصل الأوضاع في بلد ما إلى هذه الزاوية الاجتماعية الحرجة ، فإن الدولة ستصبح معها دولة فاشلة وعاجزة عن ادارة البلاد وضمان مصالح المجتمع ، وحتى عن تقديم الخدمات الضرورية التي تديم وحدته ووجوده كمجتمع ، وفي اللحظة ذاتها ستتفكك عرى المجتمع والمصالح الطبقية التي كانت تصون وحدته ، ويدخل في دورة من الاضطرابات والصراعات والتهرئ والتمزق ، تضعه على أعتاب حرب أهلية أو ثورة اجتماعية تعيد ترتيب حياته من جديد ، وكما حصل للكثير من المجتمعات الإنسانية في الماضي البعيد والقريب!
*****
والثورات الشعبية من هذا النوع ، لا يمكن أن تقوم إلا إذا أصبح عدد الشباب من الفئات العمرية التي تتراوح بين [ – 30 15 – 24] يشكلون نسبة %20 من مجموع عدد السكان في بلد ما!!
وعادة تكون هذه النسبة من الشباب في غالبيتهم ، منحدرين من اصول ريفية وطبقات اجتماعية مسحوقة وبرجوازية صغيرة وخريجين عاطلين عن العمل ، ويتكدس أغلبهم في عشوائيات (حواسم/تجاوز) تشكل حزام فقر يحيط بالعواصم والمدن الكبيرة ، دون عمل أو ضمان اجتماعي أو مستقبل واضح ، وعند هذه الحالة تصبح الثورة الاجتماعية والسياسية بمعناها التاريخي على الأبواب!
ومفتاح الثورة ـ وحتى مضمونها ـ سيتمظهر بأشكال متنوعة وصيغ مختلفة ، قد تكون على شكل عمليات للإصلاح الديني ، كما حصل في أوربا بحركة الاصلاح الديني اللوثرية ، أو بحركات راديكالية علمانية أو فاشية كما حصل بعد الحرب العالمية الأولى ، أو بحركات أصوليات دينية متطرفة كما هو حاصل عندنا الآن ، وجميعها ستؤدي إلى ثورة شعبية شاملة ، يحمل رحمها المتورم كل هذه الأطراف والمسميات والفعاليات المختلفة!

وابرز مثال لهذه الحقيقة ، مثلته أزمة الكساد العظيم الذي اجتاح أمريكا وأوربا نهاية عشرينات القرن الماضي ، الذي قذف بآلاف العمال والموظفين إلى الشوارع ، فبرزت على إثره الحركات الفاشية التي أشعلت الحرب العالمي الثانية ، وكان آخرها ثورة الشباب التي اجتاحت أوربا عام 1968 وأفرزت حركات أوربية يسارية متطرفة وحركات فوضوية متعددة كالهيبز (الخنافس) مثلاً ، كما أفرزت قادة ومفكرين وفلاسفة كان أبرزهم فيلسوف الشباب المعروف ” هربرت ماركوز”!
*****
وهناك شواهد واقعية وتاريخية كثيرة ، تبين أن الثورات والهجرات التاريخية الكبرى وحتى بعض الأديان ، ترتبط عضوياً بالزيادات السكانية ، وبعد أن تعجز البيئة عن اطعامهم أو الدولة عن استيعابهم ضمن الحياة الاجتماعية أو سوق العمل ودورة الانتاج الاقتصادي للبلد!
لأن الثورات ـ كما أسلفنا ـ ليست ترفاً ، بل هي حاجات اجتماعية واستحقاقات تاريخية تستوجبها شروط موضوعية: فحركة الاصلاح الديني البروتستانتي مثلاً ، لم تكن اجتهاداً أو خلافاً دينياً بحتاً ، إنما كانت تعبيراً عن عجز الكاثوليكية المهيمنة أنذك ، عن استيعاب الاجيال الجديدة التي قذفتها ارحام الأوربيات إلى ساحات العمل . فكانت البروتستانتية استجابة اجتماعية ـ بوجه ديني ـ لها ، لتفكيك عقد الكاثوليكية التي كبلت الاجيال الأوربية وعجزت عن استيعاب زيادة سكان أوربا!

وكما كانت البروتستانتية في الغرب كان الشرق يعج بحركات دينية مماثلة ، وجميعها كانت تعبر عن زيادات ملحوظة في عدد سكان بلدان الشرق ، وعجز السلطات السياسية والاجتماعية والدينية عن استيعاب هذه الزيادات في أطرها المختلفة!.

وكما تمظهرت مشكلة زيادة عدد السكان ونسبة الشباب بينهم بأوجه وأشكال دينية متنوعة ، تمظهرت فيما بعد بأوجه اجتماعية صريحة ، وبثورات تاريخية كبرى غيرت وجه العالم ومعناه!
ودون الدخول في تفاصيل كثيرة ، فأن الثورة الفرنسية تأتي في طليعة تلك الثورات التاريخية الكبرى ، تليها الثورات الروسية والصينية وجميع حركات الاحتجاج الاجتماعي ، وكذلك الثورات الناقصة في أوربا خلال القرون الثلاثة الأخيرة ، وفي آسيا خلال القرنين الأخيرين .
أما القرن الواحد والعشرون، فقد كانت الانتفاضات والثورات العربية هي أبرز ظواهره الناجمة عن زيادة مجموع عدد السكان ، وتخطي نسبة الشباب بينهم عتبة الــ %20 الخطرة ، وفشل الحكومات والمجتمعات والفعاليات العربية المختلفة في استيعابهم اجتماعياً وانتاجياً وسياسياً ، مما أدى إلى هذه الانتفاضات والثورات العربية المشتعلة منذ 2011 إلى الآن بصور مختلفة ، وبرزت أخيراً بكل وضوح في العراق والجزائر ولبنان ، وإن كانت هناك عوامل كثيرة غيرها تدخل في مسبباتها!
*****
وهناك بعض الدراسات والتقديرات تؤكد أن أغلب المجتمعات الاسلامية ، كانت قد تجاوزت نسبة عدد الشباب إلى مجموع عدد السكان عندها عتبة الـ 20% الخطرة في أوائل سبعينيات القرن الماضي ، وإن أغلب هذه المجتمعات قد فشلت فشلاً ذريعاً في الحد من هذه الزيادات السكانية أو استيعابها اجتماعياً أو انتاجياً ، مما أدى تفاقمها وإلى بروز ظاهرة ما يسمى بـ ” الصحوة الاسلامية “!
فقد دخلت إيران هذه العتبة في السبعينيات من القرن الماضي ، وكانت الثورة الايرانية عام 1979 من نتائجها المباشرة ، بينما دخلتها مصر والجزائر في أوائل تسعينيات ذلك القرن ، وكانت الأحداث الدموية التي اجتاحت البلدين خلال تلك الحقبة من آثارها المباشرة .

وحسب تلك الدراسات والتقديرات ـ بتاريخ التسعينيات من القرن العشرين الماضي ـ وبما يشبه التنبؤ ، فقد قدرت تلك الدراسات :
((إن الخطر سوف يستمر في القرن الحادي والعشرين. في الدول العربية الرئيسية (الجزائر ـ مصر ـ المغرب سورية ـ تونس)، سوف يتزايد عدد من هم في أوائل العشرينيات من العمر والباحثين عن عمل، ويستمر في الزيادة حتى حوالي 2010. ومقارنة بالتسعينيات فإن الداخلين إلى سوق العمل سيزيدون بنسبة 30% في تونس، وحوالي 50% في الجزائر ومصر والمغرب، وأكثر من 100% في سوريا)) صاموئيل هنتنغتون “صدام الحضار”
ومعروف أن كل هذه الدول العربية كسلطات ومجتمعات ونخب ، قد فشلت في معرفة خطورة هذه الانفجار السكاني وبما سيؤدي من نتائج كارثية ، إذا لم يتم استيعاب هذه القوة الشبابية الهائلة في اطار الحياة الاجتماعية والانتاجية ودورة العمل ، وإلا ستقع كارثة مروعة .. فكانت هذه الانتفاضات والثورات العربية!!
*****
ثانياً : الثورة ووسائل الاعلام صنوان :
مما لا شك فيه أن الاعلام ـ بوجهيه السلبي والايجابي ـ وبمختلف صوره البدائية والمتطورة ، قد لعب دوراً مؤثراً في حياة الانسان منذ القدم . فقد استخدمه الدعاة والمبشرون وقادة الثورات وأصحاب المبادئ والعسكريون ، وحتى أصحاب الحرف والمهن كل بما يناسب عمله ، سواء بالترويج لدعوته أو بضاعته أو فكرته ، أو للتأثير في الخصم والاضرار به . وفي العصر الحديث أصبح الاعلام الموجه ، يلعب الدور الأول في تكوين قناعات الافراد والجماعات والأمم والشعوب ، حتى ليصح القول بأن الانسان الحديث في قناعاته وتوجهاته واختياراته وذوقه العام ، عبارة عن (صناعة اعلامية)!
فكل شئ في الانسان الحديث ـ رغم الادعاء بالحرية والديمقراطية ـ (مصنوع اعلامياً) ويفتقد الحرية والاختيار الحر!!

ولأن للإعلام وطرق التواصل الجماهيري مثل هذا الدور المركزي ، في تكوين قناعات وتوجهات الرأي العام في العصر الحديث ، فقد كان لها دور مقارب في كل العصور الانسانية بدرجات مختلفة ، وحسب تطور الآلة الاعلامية في كل عصر ، وكان هذا الدور يتجلى بأوضح صوره في أوقات الأزمات والفوضى والاضطرابات والثورات والانتفاضات الشعبية ، حتى لتكاد تكون كل ثورة في العصور الحديثة قد اقترنت بتطور أو باستحداث وسيلة اعلامية جديدة ، أحدثت عند اختراعها تقارباً أكثر بين الناس وتأثيراً أكبر في قناعاتهم .
وهناك علاقة شبه جدلية دائمة بين الثورات الشعبية ، وبين التطورات النوعية لوسائل الاعلام وطرق التواصل الجماهيري ، أو لإحدى هذه الوسائل الاعلامية المؤثرة ، حتى ليبدو الاعلام وكأنه شريك للجماهير في صناعة ثوراتها الشعبية ، وكأن لكل وسيلة اعلامية جديدة ثورة خاصة بها!.
ورغم المبالغة البادية في هذا القول ، لكنها مبالغة قريبة جداً من الحقيقة .. وبمعنى :
أن ((وسائل الاعلام لا تصنع الثورات، لكنها دائماً كانت تلعب دوراً كبيراً ومؤثراً في كل الثورات العالمية . فاختراع الجريدة مثلاً ، كان له دوراً جوهرياً في الثورة الفرنسية وجميع الثورات الأوربية في القرن19 وفي الثورتين البلشفية والصينية. ولعب الراديو (عند اختراعه) بعد ذلك دوراً أكثر أهمية.. فإذاعة “صوت العرب” مثلاً ، أوصلت (مبادئ ثورة 23 يوليو) إلى كل بيت وشارع عربي . وكان لاختراع (الترانسيستور في ذلك الزمن) أهمية استثنائية ، فقد كان باستطاعة الفلاح في أقصى الأرياف العربية أن يسمع صوت عبد الناصر ويهتز له من أعماقه. أما الثورة الايرانية فقد استخدمت ” الكاسيت ” في ايصال خطابات الخميني إلى ملاين الايرانيين، فأطلق عليها اسم ” ثورة الكاسيت”)) من مقال في سلسلة مقاالات لنا حول الثورات العربية بعنوان ” عصر جديد..وعقول قديمة ” نشرتها جريدة “الكلمة الحرة ” بتاريخ 2011-6-22 .
وكما لعبت وسائل الاعلام ووسائل التواصل الجماهيري دوراً كبيراً وجوهرياً في كل الثورات الشعبية العالمية المعروفة ، فقد كان للفيسبوك والتويتر واليوتيوب دوراً كبيراً وحاسماً ، كاد أن يفوق دور الجماهير الثائرة نفسها في تفجيرها الانتفاضات والثورات العربية واستمراريتها ، وحتى في التدخلات الخارجية التي حرفتها عن مسارها التاريخي فيما بعد ، وجعلتها ردة سوداء باتجاه أكثر العصور جاهلية وظلامية ودموية ، بدلاً من مسارها الطبيعي باتجاه المستقبل والنهضة والحرية والتحرر وحقوق الانسان!
ونتيجة لهذا الدور الحاسم الذي لعبته هذه الوسائل الاعلامية في الثورات العربية ، أطلق عليها البعض ـ وبما يشبه الشتيمة ـ أسم ((ثورة الفيسبوك))!!

مشرق نيوز

Leave A Reply

Your email address will not be published.